التواضع السياسي بين الفضيلة والاستعراض: قراءة نقدية في السياق الموريتاني

سبت, 2025-08-30 10:18
حمادي ولد آباتي 

1. التواضع كقيمة سياسية

يُقدَّم التواضع عادةً كقيمة إنسانية وأخلاقية، وهو في السياق السياسي مؤشر على إدراك القائد أنه خادم للصالح العام لا متعالٍ عليه. وقد رأى ماكس فيبر أن شرعية السلطة لا تكتسب فقط من القهر أو القانون، بل أيضًا من القبول الطوعي الذي تمنحه الجماعات للحاكم متى ما تجسدت في شخصه صفات أخلاقية ورمزية. ومن هنا يُثنى على الحاكم حين يزور المرضى أو يواسي المتضررين، لأنها أفعال تكرّس صورة "الأب الحامي" وتضفي بعدًا إنسانيًا على ممارسته للسلطة.

لكن حين ينقلب هذا التواضع إلى ممارسة مؤسَّسة، تُفرض على الوزراء أو تُدار عبر بروتوكولات محسوبة، يصبح أقرب إلى ما يسميه بيير بورديو الرأسمال الرمزي: أي استثمار في الصورة والهيبة أكثر منه في الخدمة العمومية. فالغاية هنا ليست خدمة المواطن، بل تعظيم رصيد الولاء السياسي وتحصين الشرعية عبر الإشارات الرمزية.

2. الحالة الموريتانية: من التواضع إلى إعادة إنتاج القبلية

في موريتانيا، برزت سياسة توجيه الوزراء لقضاء عطلهم في قراهم ومدنهم الأصلية. ظاهرها "تعزيز القرب من الشعب"، لكن باطنها يثير أسئلة عميقة. فبلد يُعاني من تفشي الفساد وسوء الحكامة لا يمكن فصل ممارساته الرمزية عن البنية القبلية والزبونية التي تحكم توزيع المنافع والامتيازات. وعليه فإن الوزير حين يعود إلى قريته، لا يعود بصفته ممثلاً للدولة الحديثة، بل يُقرأ حضوره كـ "زعيم قبيلة جديد" جاء محمّلاً بالوعود والموارد.

الإنفاق من المال العام على مثل هذه العطل يزيد المفارقة: كيف يمكن لنظام يرفع شعار "محاربة الفساد" أن يشرعن ممارسات تعيد إنتاجه بأدوات أكثر لطفًا؟ هنا يظهر ما يمكن أن نسميه مع حنة أرندت تفاهة الرمزية السياسية: حيث تتحول أفعال يفترض أن تكون أخلاقية إلى طقوس بيروقراطية لا تخدم سوى إعادة تدوير الولاءات الضيقة.

3. زيارة الرئيس لوزيره: التواضع أم التزكية؟

الأمر يزداد غرابة حين يغادر الرئيس مكان قضاء عطلته لزيارة أحد وزرائه في ولايته. الوزير ليس مريضًا، ولا في حالة تستدعي المواساة. فما جدوى هذه الزيارة؟ إذا قُرئت في سياقها الإنساني فهي تواضع زائد، أما إذا قُرئت سياسيًا فهي أشبه بـ تزكية ضمنية تعزز مكانة الوزير في منطقته وتؤكد وزنه في المعادلة الجهوية.

هذا ما يسميه بورديو "إعادة إنتاج الرأسمال الرمزي عبر الحقول المحلية": أي توظيف حضور الرئيس كرمز وطني لتعزيز شرعية شخصية محلية. غير أن خطورة هذا السلوك أنه يعيد رسم الولاءات على أسس قبلية وجهوية بدل أن يذيبها في مشروع وطني جامع.

4. التواضع الاستعراضي: بين السخرية والجدية

من الناحية النظرية يمكن تسمية هذه الممارسات بـ "التواضع الاستعراضي" (Performative Humility): أي ذلك السلوك الذي يتقمص مظهر القرب من الشعب دون أن يترتب عليه أثر ملموس في الحوكمة أو العدالة الاجتماعية. إنه أشبه بعرض مسرحي: قد يثير الإعجاب أو السخرية، لكنه لا يغير البنية العميقة للسلطة.

فالتواضع الحقيقي يُقاس بمدى تقليص الفجوة بين الدولة والمجتمع، وضمان العدالة في توزيع الموارد، ومكافحة المحسوبية بصرامة. أما تقبيل الأيادي أو مرافقة الوزراء إلى قراهم فليست سوى بروباغندا ناعمة لا تحل أزمة، ولا تبني دولة، بل قد تزيد هشاشة النظام عبر تكريس الجهوية والزبونية.

5. خاتمة

يمكن القول إذن إن التواضع السياسي في السياق الموريتاني لم يعد مجرد فضيلة فردية، بل تحول إلى أداة لإعادة إنتاج البنية القبلية عبر الرمزية الرسمية. وبينما يُسوّق له باعتباره قيمة إنسانية نبيلة، يكشف التدقيق أنه أقرب إلى ما يسميه بورديو استثمارًا في الرأسمال الرمزي أكثر من كونه تعزيزًا لشرعية قانونية أو أداء مؤسسي.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام تواضع ضروري يعكس قرب القيادة من الناس، أم أمام تواضع فائض لا لزوم له، يتحول إلى عبء على المصلحة العامة ويؤكد أن اللعبة السياسية في موريتانيا ما زالت تُدار بمنطق الولاءات الضيقة أكثر من منطق الدولة الحديثة؟

حمادي ولد آباتي