
تعيش موريتانيا، ورغم كل ما يُقال، حالة فريدة من الاستقرار السياسي والأمني، في منطقة شهدت خلال السنوات الأخيرة موجة من الانقلابات العسكرية، والصراعات العرقية، وتمدد الجماعات المسلحة. ولأن الاستقرار هو أغلى ما نملك في هذه البلاد، بل ربما يكون هو كل ما نملك، فإن من حقنا أن نشعر بقلق عميق إزاء تزامن بعض البيانات والتقارير والتصريحات في الأيام الأخيرة، والتي حاولت أن تسوّق مغالطة في منتهى الخطورة مفادها أن موريتانيا بلد عنصري يعذّب ويقتل السود، سواء كانوا من المواطنين أو الأجانب.هذا التزامن يفرض علينا طرح سؤال مشروع: هل هناك شرٌّ يُراد بهذه البلاد؟ وهل من خيط ناظم بين بيان حركة "إيرا"، وتقرير منظمة "هيومن رايتس ووتش"، وتصريحات النائب بيرام الداه أعبيد المتداولة اليوم، والتي يبدو أنه أدلى بها من دولة أوروبية؟ بيان إيرا: أول محاولة من نوعها لتقسيم السكان
في يوم الخميس 21 أغسطس 2025، أصدرت حركة "إيرا" بيانًا يُعد سابقة في الخطاب السياسي، حاولت فيه تقسيم المواطنين الموريتانيين إلى "سكان أصليين" و"سكان غير أصليين".البيان روّج لخطاب يستدعي مفردات الإقصاء والتمييز العرقي، محمِّلًا القانون الجديد لترخيص الأحزاب ما لا يحتمل، معتبرا أنه جاء فقط لمنع ترخيص الأحزاب التي تمثل "السكان الأصليين السود".وقد ورد في البيان المذكور:_"وها قد أصبح الدليل على الفصل العنصري واضحًا أمام الرأي العام بشكل لا لبس فيه. إن تسييج التعددية الحزبية يهدف إلى إقصاء ممثلي السكان الأصليين من التنافس، أي إقصاء السود الموريتانيين الجنوب صحراويين الذين يمثلون، في الآن نفسه، أرضية خصبة للممانعة، وأكبر ضحايا الإفلات من العقوبة، وأكبر المعاقل البنيوية للبؤس."_تقرير هيومن رايتس ووتش: اتهامات في توقيت غير بريء بعد ستة أيام فقط، وتحديدًا في يوم الأربعاء 27 أغسطس، نشرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" تقريرًا من 142 صفحة، تحدّث عن "انتهاكات جسيمة" بحق المهاجرين من غرب ووسط أفريقيا بين عامي 2020 وأوائل 2025.
التقرير لم يكتفِ بالإشارة إلى ممارسات فردية أو حوادث معزولة، بل صاغ رواية كاملة عن التعذيب، والاغتصاب، والعنف الجنسي، والابتزاز، والطرد التعسفي، وسوء المعاملة العنصرية، مما يوحي بأن الصورة المقصودة ليست توصيفًا حقوقيًا، بل بناء اتهامي شامل يراد منه تلطيخ سمعة البلد في محيطه الإقليمي والدولي.اللافت أن التقرير يعزف على نفس الوتر: العرقية، والعنصرية ضد السود، فالضحايا فيه هم أيضًا سود من غرب إفريقيا ووسطها.
تصريحات بيرام: القتل بسبب اللون والسكنفي آخر مقطع متداول لرئيس حركة "إيرا"، يبدو أنه مسجّل في دولة أوروبية، ادّعى بيرام أن "لحراطين" و"الفلان" يُقتلون في موريتانيا فقط لأنهم ينتمون لهذه المكونات، ولأنهم يسكنون في أحياء معينة مثل السبخة والرياض.إنه استمرار لنفس الخطاب الذي يسعى أصحابه في الداخل والخارج إلى تصوير موريتانيا على أنها بلد عنصري يعذّب ويقتل السود، سواء كانوا مواطنين أو مهاجرين. تزامن مريب... وسؤال مشروعإن تزامن هذه الثلاثية القائمة على الكذب والتلفيق: بيان إيرا، وتقرير هيومن رايتس ووتش، وتصريحات بيرام الأخيرة، يشرّع لنا أن نطرح السؤال بجدية: هل من خيط ناظم يربط بين هذه الأكاذيب والتلفيقات ( البيان والتقرير والمقطع الصوتي)؟
حفظ الله موريتانيا..
.محمد الأمين الفاضل