
صائب عريقات
ينقضي عامٌ آخر، لا بوصفه فصلًا عابرًا من الزمن، بل كسجلّ إدانة إضافي لعالمٍ اختار، بوعيٍ كامل، أن يُطبّع مع النكبة الفلسطينية، ويحوّلها إلى حالة دائمة، مألوفة، قابلة للاحتمال.
ما يحدث ليس انفلاتًا عارضًا لحرب، بل جريمة سياسية مكتملة العناصر: قتلٌ محسوب، وتجويعٌ متعمَّد، وتدميرٌ منهجي يستهدف الإنسان أولًا، ويطال ما تبقّى من معنى للحياة.
تُرتكب الجريمة تحت ضوء الشرعية الدولية، وبتمويلٍ معلن، وبصمتٍ عربيٍّ لا يقلّ فداحة عن الفعل نفسه. أطفال فلسطين لا يسقطون عرضًا؛ يُقتلون لأن نظامًا عالميًا قرّر أن حياتهم فائضة عن الحاجة، وأن دمهم بندٌ قابل للمساومة.
الولايات المتحدة، ومعها حلفاؤها الغربيون، شركاء مباشرين في هذه الجريمة، لا بالسلاح وحده، بل بإفراغ القانون الدولي من مضمونه، وتحويله إلى أداة انتقائية تُشهر في وجه الضعفاء، وتُغمد حين يتعلّق الأمر بالجلادين.
أمّا النظام العربي الرسمي، فقد ارتضى دور المتفرّج البارد، يختبئ خلف بياناتٍ خاوية، ويتقن إدارة العجز بوصفه سياسة.
ومع ذلك، تفشل هذه المنظومة، بكل أدواتها وقوتها، في تحقيق غايتها النهائية.
ففي غزة التي تُمحى، والضفة التي تُخنق، والقدس التي تُنتزع، يواصل الفلسطينيون مواجهة مشروع اقتلاع شامل بإرادة البقاء وحدها.
هنا لا يعود الصمود مجرّد خيار، بل يتحوّل إلى إدانة مباشرة لكلّ من شارك، وصمت، وتواطأ. إن استمرار الحياة تحت القصف والحصار ليس بطولة رمزية، بل فعل مقاومة يومي يعرّي كذب العالم، ويُسقط ادّعاءاته الأخلاقية.
في فلسطين، لا تُختبر السياسات الدولية فحسب، بل يُكشف إفلاس الإنسانية نفسها.
كاتب فلسطيني


