
د. بسام روبين
لم يكن ما جرى إستعراض قوة، ولا لعبة أعصاب، ولا مبالغة إعلامية عابرة.فكل الوقائع على الأرض كانت تقول إن الحرب قادمة لا محالة ، فهنالك قواعد تفرغ، وجنود يرحلون، وجاهزية ترفع إلى الحد الأقصى، وحديث غربي إسرائيلي صريح عن ضربة حاسمة لا تحتمل التأويل.
ومع ذلك ، لم تقع الحرب، لا لأن العالم أصبح أكثر عقلانية، ولا لأن الضمير الدولي استيقظ فجأة من سباته العميق، بل لأن الحقيقة التي إصطدمت بها غرف القرار كانت أخطر بكثير مما أُعلن.
فالحرب لم تتوقف لأن أحدا خاف على المدنيين، ولا لأن القانون الدولي قرر أخيرا أن يقوم من قبره، بل لأن التقدير الإستراتيجي إنتهى إلى خلاصة واحدة صادمة ، هذه ليست حربا يمكن التحكم بها، ولا يمكن إيقافها عند حدود الرسالة أو الضربة الأولى.
فالخصم هذه المرة ليس هدفا معزولا، ولا ساحة إختبار، ولا دولة يمكن إحتواؤها بعقوبات أو ضربة إستعراضية. والولايات المتحدة، التي إعتادت إشعال الحروب من خلف البحار ثم إدارتها عن بعد، وجدت نفسها أمام مسرح عمليات مختلف تماما.فإيران ليست ساحة مغلقة، وجنوب لبنان ليس جبهة هامشية، وأي خطأ في الحساب لا يعني تصعيدا محدودا، بل إنفجار الإقليم بأكمله ، من الخليج إلى المتوسط، ومن الطاقة إلى التجارة العالمية، ومن الإقتصاد إلى أمن الممرات الدولية.أما إسرائيل، التي ترفع الصوت أكثر مما تحتمل، فهي تدرك قبل غيرها أن الجبهة الداخلية لم تعد محصنة، وأن معادلة الردع لمتعد تدار من طرف واحد، وأن الحرب القادمة ، إن وقعت ، لن تشبه أي حرب سابقة، لا في المدى، ولا في الكلفة، ولا في النتائج.


