
د.خالد فتحي
صباح الأحد، كانت الرباط قد ارتدت حلة الفرح.
ثقة عارمة سكنت المغاربة من طنجة إلى الكويرة، قبيل مباراة الحسم، وكأن الوطن بأكمله كان يستنشق هواء الانتصار قبل أن تطلق صافرة البداية.
طاقة إيجابية اجتاحت الشوارع والمقاهي والبيوت، واختلط فيها الأمل بالفخر، والإيمان بالإنجاز.
لم يكن ذلك شعورا عابرا. فالمغرب وفى وكفى، وأقنع وأبدع، وأبهر العالم بقوة تنظيمه لكأس إفريقيا، وكرم شعبه، وتألق منتخبه الوطني الذي أدخل السعادة والبهجة إلى قلوب شعوب كثيرة، قبل أن يبهج شعبه أولاً.
منتخب رسم للمغرب صورة الدولة القوية القادرة، وجعل منه علامة فارقة في إفريقيا، وقدوةً للأفارقة والعرب على حد سواء.
حين رأيت الدم يقطر من جبين نائل العيناوي، ثم رأيت هذا المقاتل الصنديد يرفض مغادرة ساحة الوغى، غامت عيناي بالدموع.
لم يكن المشهد مجرد لقطة رياضية او انسانية ، بل كان درسا مكثفاً في معنى الوطنية، وفي قيمة التضحية من أجل الهدف الأعلى.
عندها، تسلل صوت المتنبي إلى مخيلتي، كأنه نزل إلى أرض الملعب مرددا:” لايسلم الشرف الرفيع من الأذى –حتى يراق على جوانبه الدم»وأمام ضماد العيناوي المضمخ بدمه، أيقنت أننا منتصرون لا محالة، وأن الكأس ستأتي مهما توترت الأعصاب، ومهما تمنعت هذه الكرة اللعوب.
كنت أعتقد أن الإصرار، وعبقرية الأداء، وإلحاح لاعبينا، كفيلة بأن تجبر الحظ على الابتسام. إذ ليس للأقدار أن تخذل كل هذه الجماهير المرابطة في المدرجات، وفي البيوت، وفي المقاهي؟ كنا اللاعب الثاني عشر، وكنا نؤمن أننا سنجذب الكأس إلينا.
خلال المباراة، كانت تصلني رسائل من أصدقاء في مصر وليبيا والأردن والسعودية والإمارات…، يسألون بقلق ودهشة: ياخالد: لماذا يعذبنا منتخبكم؟.
لماذا يتأخر الهدف؟. وحين ضاعت ركلة الجزاء، بدأ الشك يتسلل إلى نفسى ، توجست أن الرياح قد قررت ألا تجري بما تشتهي سفننا…. عندها سيعود المتنبي، غاضبا هذه المرة قائلا بحكمة موجعة:
«لم أر في عيوب الناس عيباكنقص القادرين على التمام»منتخبنا كان يملك كل مقومات الفوز، هيئت له كل الظروف ،و لكنه مع ذلك لم يتمكن ان يبلغ الكمال، رغم قدرته عليه.زاد من مرارة اللحظة احتجاج المنتخب السنغالي غير المبرر ، والضغط النفسي الذي تعرض له لاعبونا، في أجواء جعلت الفوز ـ في نهايته ـ غير خالص الصفاء للسنغاليين. هكذا، تفرق جهد المنتخب المغربي بين المشككين والمتحاملين والمناورين ومن أصروا على شيطنته، شئنا ذلك أم أبينا.لقد كان منتخبنا ضحية تفوقه ،لقد نفست عليه المنتخبات والجامعات الكروية الأخرى أن يتميز عنها ،ان يكون مختلفا جدا .ان يكون مرآة تكشف عقم سياساتهم الكروية .ومع ذلك، يبقى السؤال الجوهري: هل خسر المغرب فعلاً؟الجواب الواضح هو: لا.لقد فاز المغرب باعتراف العالم، ونجح في تنظيم أفضل نسخة لكأس أمم إفريقيا في تاريخها. ثبّت صورته كدولة موثوقة، قادرة على الإنجاز، بفضل استقرارها السياسي ونجاعة مؤسساتها ووفائها بما تلتزم به . عزز مكانته القارية والدولية، وأكد أن الرهان عليه ليس مغامرة، بل اختيار عقلاني.قد لا تكون الكأس قد استقرت في بلدنا هذه المرة، لكن الاحترام للمغرب استقر في القلوب، والصورة المشرقة ترسخت له في الأذهان، واسمه صار على كل لسان .اعلموا أن التاريخ لا يخلد النتائج وحدها، بل يخلد المعاني أيضاً. ففي النهاية، قد تخطئ الكرة طريق الشباك، وقد يخذلنا الحظ في لحظة فاصلة، ويتخلى عنا الطالع السعيد، لكن الأوطان لا تقاس بركلة جزاء ضائعة، ولا تختزل في كأس لم ترفع. الأوطان تقاس بما تزرعه من ثقة، وبما تصنعه من صورة، وبما تتركه من أثر في الوجدان الجمعي.لقد ربح المغرب رهانه الأكبر: رهان الاحترام، وكرامة التنظيم، ووحدة الشعب خلف فريقه. وهذا ربح لا يصدأ، ولا يسحب، ولا يخضع لقرارات حكم أو تقلبات مباراة. سيأتي التتويج الرياضي عاجلاً أو آجلاً، أمامنا كأس العالم 2026 بأمريكا . أما هذا الفوز المعنوي والحضاري، فقد تحقق لنا بالفعل، واستقر اسم مملكتنا في سجل الأمم التي تعرف كيف تخسر بشرف، و كيف تفوز بمعنى أعمق من الكأس .ولأن للفوز أكثر من وجه… فإن المغاربة إن ينظروا في المرآة بعد هذا الكان المشرف الرائع ، فسيرون بالتأكيد أنفسهم المنتصرين . لقد أخفق المنتخب في مباراة ..ولكن المغرب انتصر … ارفعوا رؤوسكم عاليا…إنكم المغاربة .كاتب مغربي


