
ليس التيه أن نضيع الطريق، بل أن نُقنع أنفسنا أننا نسير في الاتجاه الصحيح.
هذه هي المفارقة الكبرى التي يعيشها المثقف العربي اليوم.
حركة فكرية دائمة، إنتاج معرفي كثيف، أسئلة لا تتوقف، لكن بلا هداية واضحة ولا يقين ضابط.
معرفة تتحرك، لكنها لا تصلهذا المشهد ليس جديدًا في التاريخ.
فقد عرفه بنو إسرائيل بعد موت النبي موسى عليه السلام.
لم يضلّوا لأن الطريق اختفى، بل لأن القلوب فقدت ثقتها في الوعد، فانفصل العقل عن الغيب، وتحول السير إلى دوران.
قال تعالى:﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾.كان التيه عقوبة على انفصال داخلي عميق، لا على ضياع جغرافي. واليوم يتكرر المشهد، ولكن بصيغة ثقافية ومعرفية: عقل يرفض الغيب باسم التنوير، ثم يشكو الفراغ، ويستغرب القلق، ويتساءل عن المعنى.
أول أنواع هذا التيه هو تيه المعرفة حين تنقلب على نفسها. حين يتحول الشك من أداة منهجية إلى عقيدة، وتُرفع النسبية إلى مقام الأصل، ويُعامل اليقين بوصفه تهمة فكرية. هنا لا تعود المعرفة وسيلة للهداية، بل تصبح مصدرًا للحيرة.قال ابن تيمية: «كثير من أهل النظر أذكى الناس عقولًا، وأضعفهم يقينًا».فالعقل إذا تُرك بلا وحي، لا يُنتج نورًا، بل يضاعف الظلال. وقد عبّر القرآن عن هذه الحالة بقوله:﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾.أما النوع الثاني من التيه، فليس فلسفيًا بقدر ما هو تاريخي نفسي. تيه نشأ حين انحرف المسلمون، لا حين انحرف الإسلام. حين تحوّل الحكم إلى صراع على الغلبة، والعدل إلى استثناء، فظنّ كثيرون أن الدين هو المشكلة، لا الابتعاد عنه.قال ابن تيمية في تشخيص بالغ الدقة:«إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة».الهزيمة السياسية صنعت ارتباكًا معرفيًا، لا نقدًا نزيهًا، وأنتجت مثقفًا مأزومًا يجلد دينه بدل أن يميّز بين النص والانحراف عنه.ثم هناك صورة رمزية تتكرر: الصحراء القديمة ووزارات الثقافة الحديثة. المشهد واحد وإن اختلفت التفاصيل. دوران في المكان نفسه، كل يوم يشبه الذي قبله، وكل خطوة تعيد إلى البداية. لم تكن الرمال هي المشكلة، بل غياب البوصلة. موت النبوّة من داخل القلوب.قال تعالى:﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾.اليوم لا صحراء، بل مدن وجامعات ومنصات وكتب وأضواء، ومع ذلك لا اتجاه. المثقف العربي يشبه رجلًا فقد ظلّه، يركض خلف المعرفة، لكنها تهرب منه لأنها بلا سماء.قال ابن القيم: «من لم يجعل الله له نورًا فما له من نور».فعقل بلا غيب كقلب ينبض في جسد بلا روح.ويأتي نوع ثالث من التيه، أكثر قسوة ووجعًا، حين تتحول السلطة إلى شهوة، والعدل إلى شعار، ويُسحب السيف من يد الحق ليعطى للغلبة. هنا يرتد السؤال على نفسه، ويظن الجاهل أن الفساد من الدين لا من خيانته.ثم نصل إلى أخطر الأنواع: تيه اللهو والارتزاق الثقافي. تيه ناعم لا يصرخ ولا يجادل، يلبس لغة أنيقة، ويكتب نصوصًا لامعة، ويبتسم كثيرًا. لا يُنكر الله، ولا يناقشه، بل يتجاوزه بلا اكتراث. كتابة من أجل الظهور، وفكر من أجل المنصّة، ومقال من أجل الجائزة.قال تعالى:﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾.


