هيا برماوي: التعب الذي يغيّرنا دون أن ننتبه

أربعاء, 2026-01-21 22:51

لا يأتي التغيّر دائمًا على شكل صدمة، ولا يطرق الباب بصوت عالٍ.

أحيانًا، يدخل التعب حياتنا بهدوء، ويجلس في الزوايا، ثم يبدأ بتغييرنا دون أن نشعر.

نعتقد أن التعب مرحلة مؤقتة، يومان من الإرهاق ثم نعود كما كنا.

لكن بعض أنواع التعب لا ترحل، بل تستقر.

تتسلل إلى طريقة حديثنا، إلى نظرتنا للأشياء، إلى ردود أفعالنا الصغيرة.

نصبح أقل حماسًا، أقل اندفاعًا، وأكثر حذرًا.

لا لأننا نضجنا بالضرورة، بل لأننا استُهلكنا.

التجارب المتكررة، الخيبات الصامتة، والمسؤوليات التي لا تنتهي، تترك أثرها ببطء.

يتغيّر ذوقنا في الناس، تقل رغبتنا في الشرح، ونميل للصمت أكثر من الجدال.

نبتعد عن الضجيج لا حبًا في العزلة، بل لأن طاقتنا لم تعد تحتمل.

أخطر ما في هذا التعب أنه لا يبدو واضحًا.

نؤدي واجباتنا، نبتسم عند الحاجة، ونكمل أيامنا كأن شيئًا لم يحدث.

لكن في الداخل، شيء ما انطفأ أو تغيّر شكله.

ننظر إلى أنفسنا فجأة فنجد أننا لم نعد نشبه من كنا.

لا الأسوأ ولا الأفضل، فقط مختلفين.

أقل سذاجة، أقل ثقة، وأكثر حذرًا في منح المشاعر.

التعب يعلّمنا الاقتصاد في أنفسنا.

نختار معارك أقل، نمنح وعودًا أقل، ونحبّ بحذر.

وهذا التغيّر ليس خطأً، لكنه مؤلم حين لا ننتبه له.

نلوم الزمن، نلوم الناس، ولا ننتبه أننا تعبنا أكثر مما اعترفنا.

أننا واصلنا الطريق دون توقف، دون تفريغ، ودون شفاء.

الانتباه لهذا التعب هو بداية الإنقاذ.

أن نسأل أنفسنا بصدق: متى تغيّرت؟ ولماذا؟

أن نمنح أنفسنا استراحة لا نشعر بالذنب تجاهها.

ليس كل تغيّر ضعفًا، وليس كل تعب هزيمة.

لكن تجاهل التعب يجعله يعيد تشكيلنا كما يشاء.

وأحيانًا، كل ما نحتاجه…

أن ننتبه قبل أن نصبح نسخة لا نعرفها من أنفسنا.