عن أداء الوزير الأول في عامه الأول (لغة الأرقام تتحدث)

خميس, 2026-01-22 19:13

في يوم 24 يناير 2025 قدَّم معالي الوزير الأول أمام البرلمان الخطوط العريضة لآفاق العمل الحكومي خلال العام 2025، وتعليقا على ذلك العرض كتبتُ مقالا بعنوان: "هل ستنجح الحكومة في تنفيذ خطة 304/2025؟". أعيد نشر فقرة مطولة من هذا المقال، دون أي تعديل.(1)

"تعودنا أن نسمع من الحكومات السابقة خطابات مليئة بعبارات والتزامات مبهمة، ووعود ضبابية، غير قابلة للقياس، وكثيرا ما كان يتعهد الوزير الأول أمام البرلمان بأن حكومته ستقوم ب"جهود جبارة" في هذا القطاع، وستحقق "قفزة نوعية" في ذلك القطاع، وستسجل "إنجازات غير مسبوقة" في ذاك القطاع، وهكذا حتى تُعَمَّم الالتزامات المبهمة على كل القطاعات الوزارية.

وبطبيعة الحال، فلا يخفى عليكم، أنه لا توجد وحدات للقياس، لا بالطول، ولا بالوزن، ولا بالحجم، يمكن أن نقيس بها هذه العبارات الفضفاضة والمبهمة لنعرف ماذا تحقق من "الجهود الجبارة" في عهد هذه الحكومة، أو من" الإنجازات المسبوقة أو غير المسبوقة" في عهد تلك الحكومة، ونحن لا نعرف أيضا، حتى عند استخدام وحدات القياس المعروفة، إن كان من المناسب أن نستخدم الكيلومتر أو المليمتر لقياس المسافة التي قطعتها بلادنا في إحدى "قفزاتها النوعية" التي تتكرر دائما، وفي كل القطاعات، حسب ما تعودنا أن نسمع من القائمين على تلك القطاعات.

لم يكن بإمكاننا في الماضي أن نتابع أو نراقب أو نقيم الأداء الحكومي بشكل دقيق، فبرامج الحكومات المتعاقبة كانت قائمة على وعود والتزامات فضفاضة لا يمكن قياسها، ولا التحقق من مستوى التقدم في إنجازها، ولذا فقد كان من الطبيعي جدا أن يقول الداعم للنظام بأن الإنجازات التي تحققت كانت عظيمة، ويقول في نفس الوقت المعارض للنظام بأن الإخفاقات كانت أعظم، وأنها إخفاقات غير مسبوقة.

في اعتقادي الشخصي أن هذا الخلاف الكبير في التقييم بين القائلين بالإنجازات العظمى، والقائلين بالإخفاقات الأعظم، لم يعد مبررا في عامنا هذا، وذلك بعد أن ألقى معالي الوزير الأول خطابا هاما أمام البرلمان، يمكن أن يُصنَّف بأنه أول خطاب لوزير أول يتضمن خطة عمل سنوية للحكومة واضحة المعالم، وقائمة على التزامات محددة، يمكن أن تُقيم بسهولة في نهاية العام، وذلك من خلال تحديد نسبة ما تم تنفيذه من التزامات الخطة، والتي بلغت في مجموعها 304 التزامات.

لقد أتاح خطاب الحصيلة والآفاق الفرصة لكل متابعي الشأن العام، معارضين كانوا أو موالين أو مستقلين، أن يتحدثوا ببرهان، وأن يقيموا أداء الحكومة الحالية في عام الناس هذا بشكل علمي دقيق، وذلك اعتمادا على نسبة ما أنجز وما لم ينجز من الالتزامات التي تضمنتها خطة الحكومة للعام 2025.

لقد خاطر معالي الوزير الأول سياسيا عندما تعهد في خطابه أمام البرلمان بأن الحكومة ستنفذ 304 من الالتزامات الموثقة في خطة الحكومة خلال العام 2025، ولقد أشار هو بنفسه في خطابه إلى تلك المخاطرة، والتي أعتبرها شخصيا مخاطرة في غاية الأهمية، وذلك لأنها قدمت للنخبة السياسية من معارضة وموالاة، ولكل متابعي الشأن العام، التزامات واضحة ومحددة ستمكنهم من تقييم الأداء الحكومي في العام 2025 تقييما علميا قائما على أدلة وبراهين، إيجابيا كان أو سلبيا، حسب ما سينفذ من تلك الالتزامات.

(2)

في خطابه اليوم أمام البرلمان، تحدث معالي الوزير الأول عن التزاماته في العام الماضي، وقدَّم الأرقام التالية:

التزامات في العام 2025 لم تتمكن الحكومة من الوفاء بها: 24 التزاما، أي نسبة 8%؛

التزامات في العام 2025 أُنْجِزت بالكامل: 224 التزاما، أي نسبة 74%؛

التزامات في العام 2025 أُنْجِزت بشكل جزئي: 54 التزاما، أي نسبة 18%؛

التزامات في العام 2025 أُنْجِزت بشكل كامل أو جزئي: 287 التزاما، أي نسبة 92%.

أشير في الأخير إلى أن هناك التزامين (2) لم أعرف ما الذي حدث معهما؛ ففي العام الماضي تحدث معالي الوزير الأول عن 304 التزامات، لكنه في هذا العام تحدث عن 302 فقط.

لستُ في وارد التعليق على هذه الأرقام، أي ما تم الوعد به في مطلع العام 2025 من التزامات، وما تم الحديث عن إنجازه بالفعل في مطلع العام 2026. سأترك للقارئ أن يحكم بنفسه، وفي اعتقادي أن أي حكم موضوعي يعتمد على لغة الأرقام سيكون في صالح معالي الوزير الأول وحكومته.

أذكر أنني، في العام الماضي، التقيتُ بمعالي الوزير الأول بعد خطابه في مطلع العام 2025، وحدثته عن أهمية أن تكون هناك رقابة شعبية على الأداء الحكومي. وكانت فكرتي حينها تتعلق بإطلاق منصة شعبية تحت مسمى "منصة 304"، تُوثَّق فيها الالتزامات الـ304 التي تعهدت بها الحكومة في العام 2025، وفي نهاية السنة توضع نقاط زرقاء على الالتزامات التي نُفذت بشكل كامل، ونقاط صفراء على الالتزامات التي نُفذت بشكل جزئي، ونقاط حمراء على الالتزامات المتعثرة. ولو أن تلك المنصة أُطلقت، لشاهدنا اليوم في واجهتها: 224 نقطة زرقاء، و54 نقطة صفراء، و24 نقطة حمراء.

ليس هذا فقط، فكان يمكن لهذه المنصة أن تضع خاصية ثانية على واجهتها الرئيسية، تُمكِّن من معرفة الإنجازات على مستوى كل قطاع على حدة. فعندما نضغط على قطاع التعليم مثلا، تظهر النقاط الزرقاء والصفراء والحمراء في هذا القطاع، وهو ما سيمكن من تقييم كل قطاع على حدة، فنعرف مستوى أداء هذا الوزير، ومستوى إخفاق ذلك الوزير، وهكذا.

ليس هذا فقط، بل يمكن أن تُضاف إلى واجهة هذه المنصة خاصية ثالثة تعطي صورة شاملة عن التوزيع الجغرافي لتنفيذ الالتزامات، فبالضغط مثلا على خريطة الحوض الغربي، تظهر النقاط الزرقاء والصفراء والحمراء في هذه الولاية، ويمكن أن نضغط على عاصمة كل مقاطعة في هذه الولاية، وهكذا.

هذه الخاصية الثالثة ستكون مهمة جدا في تتبع مستوى تنفيذ الالتزامات المتعلقة بالبرنامج الاستعجالي لتنمية نواكشوط، والبرنامج الاستعجالي لتعميم النفاذ إلى الخدمات الأساسية للتنمية المحلية، الذي أطلقه فخامة رئيس الجمهورية يوم 06 نوفمبر 2025 من مدينة النعمة بولاية الحوض الشرقي.

أظن أن إطلاق منصة بهذه الخصائص سيكون في غاية الأهمية، فمنصة كهذه ستمكن المواطن من متابعة الأداء الحكومي بشكل يومي، ودون انتظار خطاب معالي الوزير الأول في مطلع كل عام، كما ستمكنه من تقييم أداء كل وزير على حدة، هذا فضلا عن تمكين أبناء كل ولاية ومدينة من الاطلاع المستمر على ما تحقق من إنجازات في ولاياتهم ومدنهم، بل وفي قراهم.

ويبقى المقترح الأهم في هذا المجال، يتمثل في تنظيم الوزارة الأولى لزيارات ميدانية لموقع 287 من الالتزامات التي تم تنفيذها بشكل كلي أو جزئي، على أن يشارك في هذه الزيارات عدد من السياسيين في المعارضة والموالاة، هذا بالإضافة إلى عدد من الصحفيين والمدونين.

حفظ الله موريتانيا...

محمد الأمين الفاضل

 [email protected]