
الأستاذ بلحمدي رابح
لم يدخل الاستعمار إلى بلاد المسلمين عاري اليدين، ولا اكتفى بالمدفع والسفينة، بل جاء محمّلاً بعلمٍ مزيَّف، وبخطابٍ ناعم، وبعيونٍ تراقب الإنسان قبل الأرض. جاء وهو يدّعي الفهم، لا الهيمنة، والمعرفة لا السيطرة، لكنه في العمق كان يصوغ علمًا ليخدم الغزو، ويُخضع الذاكرة، ويعيد تشكيل الإنسان المسلم على مقاس المحتل. ومن أخطر تلك الأدوات: الأنثروبولوجيا حين نُزعت من حيادها، وجُعلت وسيلة في يد الاستعمار.كانت الأنثروبولوجيا، في ظاهرها، علم دراسة الإنسان وثقافته وتاريخه، لكنها في التجربة الاستعمارية ولما بعد الكولونيالية أي اليوم تحوّلت إلى مرآة مشروخة، تعكس صورة مشوَّهة للشعوب المسلمة: شعوب بلا عقل علمي، بلا تاريخ متماسك، بلا قدرة على النهوض إلا بوصاية الرجل الأبيض أو قلها بصراحة عندنا فرنسا او طبورها العميل . هكذا صُنعت السرديات، وهكذا كُتبت التقارير، وهكذا دُرِّست الأجيال لاحقًا تاريخها بأقلام غيرها.لقد نبّه القرآن الكريم إلى هذا الخطر منذ قرون، حين حذّر من التزييف المقصود للحقائق، ومن صناعة الوعي الزائف، فقال تعالى:
﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[البقرة: 42]فالاستعمار لم يكتم الحق فحسب، بل لبسه بالباطل، وسمّى الغزو تمدينًا، ونهب الثروات إدارة، وتمزيق الهوية بحثًا علميًا. ووجد من أبناء المسلمين – إلا من رحم الله – من انبهر بالمصطلح، وقدّس المنهج، ونسي المقصد.


