محمد زيني حمادي يكتب … برنامج بلغة مختلفة

جمعة, 2026-01-23 14:18

قدّم الوزير الأول المختار ولد اجاي برنامج حكومة فخامة رئيس الجمهورية في خطاب خرج عن مألوف العروض الحكومية، متحررًا من الإنشاء الخطابي، ومُقبلًا على منطق الدولة بلغة الأرقام والمكاشفة.

فجاء النص محكم السبك، واضح الحدود، لا يراوغ في المعطيات، ولا يتوارى خلف العموميات، فسدّ منافذ التشكيك، وقطع الطريق على المزايدة، ووضع المعارضة في موضع لا تُحسد عليه: إذ لا سبيل إلى الطعن في الأرقام، ولا حجة في إعادة ما أقرّ به صاحب العرض من بيان لما لم يُنجز قبل ما أُنجز.وأمام هذا النسق الصارم، بدا أن بعض الخطاب المعارض قد ارتدّ إلى مربعه التقليدي، متوسلًا شعارات مستهلكة، تُلقى على عواهنها، من قبيل الحديث عن غلاء الأسعار، وضيق الأجور، وانقطاعات الكهرباء، واختلال خدمات الماء؛ وهي قضايا لا يُجادل في مشروعيتها، غير أن تكرارها بلا تفكيك، وترديدها بلا بدائل، أفقدها أثرها، وحوّلها من أدوات مساءلة إلى ضجيج لغوي لا يوقظ وعيًا ولا يبني موقفًا.

ولو أُتيح للعقل السياسي أن يختار، لكان الأجدى للمعارضة أن تنصرف إلى ما هو أرسخ أثرًا وأبعد مدى: رقابة مؤسسية صارمة، ومتابعة ميدانية دقيقة للمشاريع المعلنة، متحررة من إغراء القرب الإداري، ومن لقاءات المكاتب المغلقة، التي كثيرًا ما تُربك وظيفة المساءلة، وتُفرغها من بعدها العمومي، وتُخضعها لمنطق المصالح بدل منطق المسؤولية.

إن من أبرز ما يميز المختار ولد اجاي جديته الصلبة، وانضباطه الصارم لفكرة الدولة، وإخلاصه الواضح للعمل العام، ورفضه المبدئي للخضوع لأي ابتزاز، في سياق اعتاد فيه المجتمع – ومعه جزء من الممارسة السياسية – أن يُدار الشأن العام بمنطق المجاملة، والمحاباة، وتقديم الترضيات، وتليين مواضع الحزم، والتسامح مع التقصير على حساب الإنجاز والانضباط.

وإذا كان لهذا العرض من دلالة تتجاوز اللحظة البرلمانية، فهي أن الدولة حين تختار أن تتكلم بلغة الصراحة والأرقام، فإنها لا تُحرج خصومها فحسب، بل تُحمّل نفسها أولًا عبء الالتزام، وتضع أداءها تحت سقف أعلى من المحاسبة، وتعيد الاعتبار لمعنى المسؤولية بوصفها واجبًا لا امتيازًا.

حفظ الله الوطن، وبارك جهود أبنائه