
منذ تعيين معالي الوزير الأول المختار ولد أجاي على رأس الجهاز التنفيذي تصاعدت وتيرة الانتقادات وتكاثرت الاتهامات خاصة فيما يتعلق بالإجراءات الجبائية والضرائب الجديدة.غير أن القراءة المتأنية للمشهد تكشف أن كثيرا من هذه الاتهامات تبنى على الانطباع لا على المعطيات وعلى التأثر الآني لا على التحليل الهيكلي.
أولًا: طبيعة المرحلة الاقتصادية
أي حكومة تتسلم السلطة في سياق اقتصادي ضاغط تجد نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما:
1. إما الاستمرار في سياسة المهادنة وتأجيل الإصلاح
2. أو الشروع في إجراءات تصحيحية قد تكون غير شعبية لكنها ضرورية.
الإجراءات الجبائية ليست قرارا مزاجيا، بل أداة سيادية لضبط العجز وتمويل الخدمات وتوسيع القاعدة الضريبية بدل الاعتماد المفرط على المديونية أو الريع.
ثانيًا: الضرائب بين العدالة والضرورةا:
لضرائب المفروضة لا يمكن تقييمها بمعزل عن ثلاثة معايير أساسية:
• اتساع القاعدة الضريبية: معالجة الاختلال الذي كان يجعل العبء الضريبي محصورا في فئة محدودة من الملتزمين بينما قطاعات واسعة تعمل خارج المنظومة الرسمية.
• العدالة الأفقية:
أن يدفع الجميع وفق قدرتهم بدل أن يتحمل المنظمون وحدهم الكلفة.
• تعزيز موارد الدولة: لتمويل التعليم والصحة والبنية التحتية ودعم الفئات الهشة.
من منظور الاقتصاد الكلي الدولة التي لا تحصل مواردها داخليا تبقى رهينة الخارج. والاستقلال المالي هو أول شروط السيادة.
ثالثا: تفنيد أبرز الاتهامات
1. اتهام إثقال كاهل المواطنين:
أي إصلاح جبائي يرافقه شعور فوري بالضغط لكن المعيار الحقيقي هو: هل الأموال المحصلة توظف في خدمات عامة؟ إن كان الجواب نعم فالمسألة انتقال من دعم غير مباشر وغير عادل إلى تمويل مباشر وشفاف للخدمات.
2. اتهام غياب البدائل:
البديل عن الضرائب هو الاقتراض أو التضخم. وكلاهما يرهق المواطن أكثر على المدى المتوسط. التضخم تحديدا يعد “ضريبة خفية” لا يملك المواطن وسيلة لمواجهتها.
3. اتهام التضييق على القطاع الخاص:
الإصلاح الضريبي المنظم يحفز القطاع الخاص المنظم ويحد من المنافسة غير العادلة من الاقتصاد غير الرسمي.
بيئة الأعمال المستقرة تحتاج نظامًا جبائيًا واضحًا لا استثناءات فيه.
رابعًا: منطق الدولة لا منطق الشعبية
الإدارة التنفيذية ليست في مسابقة شعبية، بل في اختبار مسؤولية. الإصلاحات الهيكلية غالبًا ما تُفهم بعد سنوات، لا في لحظتها.
تجارب عديدة أظهرت أن الحكومات التي تجرأت على الإصلاح كانت أكثر استدامة من تلك التي فضّلت التهدئة المرحلية.
خامسا: البعد السياسي
الوزير الأول يتحمل مسؤولية تنفيذ برنامج حكومي ضمن رؤية أوسع للدولة. ومن الطبيعي أن تكون القرارات الاقتصادية جزءا من هندسة إصلاحية شاملة لا مجرد إجراءات مالية معزولة.الخلاصة
الهجوم السياسي مفهوم في سياق التنافس لكن تقييم السياسات يجب أن يكون على أساس النتائج لا الشعارات.
الضرائب ليست عقوبة بل عقدا اجتماعيا: يدفع المواطن مقابل خدمات وأمن واستقرار.
الرهان الحقيقي ليس في تجنب القرارات الصعبة بل في حسن إدارتها وضمان توجيه عائداتها بشفافية وعدالة.
احمدو ولد اسلمو


