الوعي العربي المعاصر.. تفكيك الثوابت.. واستشراف مستقبل المسؤولية الفاعلة

أربعاء, 2026-02-18 22:42

د. أنور ساطع أصفري

إنّ الوعي العربي المعاصر يستحيل علينا أن نتناول أبعاده الحقيقية بشكلٍ دقيق ، بعد محاولاتٍ كانت حُبلى بالمصاعب ، من أجل النهوض بالوعي العربي بشكلٍ عام ، فالمجتمعات العربية كلّ منها في وادٍ مختلف عن الآخر ، كما أن المجتمعات في منحى ، والأنظمة العربية في منحى آخر .

ولعل الوعي العربي هو الأكثر تشابكاً ، إن كان في جوانب التعليم أو الثقافة أو البيئة ، أو في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بشكلٍ عام .

ولكي نتناول مفهوم الوعي ، لا بُدّ لنا في البداية من ربط الوعي بحالة الإدراك ، مثل المفاهيم ، المعرفة ، الأفكار ، والتقييم النظري ، أو وجهات النظر ، وكذلك ربط الوعي بمفهوم التفاعل والقدرة عليه ، والقدرة على التواصل في البيئة الخارجية أو المحيط الخارجي ، عبر كافة الحواس .

وكذلك ربط الوعي بالقدرة على ترجمة المفاهيم عبر القدرة على التعبير بأي وسيلة من وسائل التواصل الإنساني ، وبالمحصّلة لا بُدّ من امتلاك المهارات في مجال التفكير ، والتفكير النقدي ، ومن ثُمّ التفكير الإبداعي .

إنّ الدراسات التي تمت حول مفهوم الوعي قد شغلت إهتمام العديد من التخصصات وكانت في بدايتها الفلسفة .

وأعتقد ليس من المفيد الآن الرجوع إلى إشكاليات الفكر الفلسفي ، حيث أن هذا الفكر كانت أولى تساؤلاته حول الحرية ، والولوج الآن في مسائل الميتافيزيقا ، كأن نتساءل : هل الإنسان حر؟. أو هل الحرية موجودة ؟.

الآن نتناول الأمور على أساس بأن الحرية هي حقيقة ، ومُمارسة عملياً بنفسِ الوقت ، بهدفِ فك الإشتباك التاريخي بين الحتمية والحرية ، من أجل البعد الإنساني .

في بدايةِ الأمر لا بُدّ من تأسيس التأمل الذاتي ، المُراقب من الذات ، عبر عملية استبطان الذات نفسها بنفسها ، وعندما تنجح هذه العملية ، نبدأ بتأسيس الواجب الفلسفي الذي يروم إلى فهم الحرية بعيداً عن الوهم .

فهل نجح الوعي العربي المعاصر ، أو الفلسفة العربية الراهنة من مواجهة أشكال الإحتلال المُمارس على أراضٍ من الوطن العربي ؟.

وهل الوعي العربي بكلِ أشكاله ومع الفلسفة أيضاً ، إستطاع أن يُفكّك الجغرافيات الفلسفية القديمة ، و ولج بطرحٍ جديد لمعالجة واقعنا الحالي ؟.

الإجابة دوماً تأتي بالنفي مع الأسف ، لأننا لا نتناول معطيات الحاضر حينما نفكر ، كي لا نتحمّل عناء تحسين واقعنا ومستقبلنا .

إنّ فقداننا للوعي ، وفقدان الفكر العربي الراهن لهذا الوعي ، هو الذي فسح المجال لممارسة كلّ أشكال الإقصاء والتهميش كما الإدانة والاستعباد ، لكل فكرٍ مُغايرٍ يبتغي التجديد والإصلاح وبناء مستقبلٍ أفضل ، يعتمد على تبنّي المسؤوليات الجادة ، والتجديد الذي يُعتبر تنويراً للمجتمع و للعقل وللفكر العربي .

إنّ واقعنا الراهن يُعتبر مليئاً بالشوائب والغموض والتشويه الذي ليس بإمكانه ولا بأي شكلٍ من الأشكال أن يأخذ بيد المواطن إلى بر الأمان ، وإلى مرفأ اليقين .

إنّ الوعي العربي وسلطته اعتمد طروحاتٍ شديدة الشبه بالشراك المُفخخة ، أو القنابل الموقوتة ، مثل ثنائيات السلم والحرب ، العقل والنقل ، الخير والشر والعلم والدين ، وكأننا من خلال وعينا الراهن نقوم بانتاج إرهاصاتٍ عربية ، وموروث ، ومنتوج مُشتّت الأصول .