الأدب لإعادة تشكيل السلوك

خميس, 2026-02-19 22:09

العربي الحميدي 

مقاربة من داخل التجربة.تنطلق هذه الورقتي هاته من تصورٍ وفرضيةٍ مفادُهما أن الأدب لا يعمل بوصفه تمثيلًا جماليًا للعالم فحسب، بل بوصفه ممارسةً تُسهم في إعادة تشكيل السلوك الفردي والاجتماعي. ومن خلال هذه المقاربة، المدعومة بتأملات نابعة من التجربة الشخصية، تسعى هذه الورقة إلى تحليل الآليات التي يمكن أن يُؤثِّر بها النص الأدبي في الإنسان. وتخلص إلى أن الأدب يُعيد تشكيل السلوك عبر إعادة بناء البنية الانفعالية، وتفكيك التمثلات الاجتماعية، وإنتاج وعيٍ جديدٍ بالذات وبالمحيط.

توطئة: الأدب كقوة خفية تُعيد تشكيل الإنسانلم أتعرف إلى الأدب، في تجربتي الشخصية، بوصفه وسيلةً للتعبير فقط، بل بوصفه تجربةَ تغيير. لم يكن النص الأدبي بالنسبة إليَّ مجرد انعكاسٍ للعالم، بل كان فضاءً يعيد تشكيل علاقتي به وبنفسي.لقد اكتشفت، عبر القراءة ثم عبر الكتابة، أن الإنسان لا يخرج من النص كما دخله. يحدث شيءٌ خفيّ، شيءٌ لا يمكن قياسه، لكنه يترك أثرًا واضحًا. إنه تغيرٌ في طريقة النظر، وتغيرٌ في طريقة الشعور، وأحيانًا تغيرٌ في طريقة العيش.من هنا تنطلق هذه الورقة من سؤالٍ قد يكون مركزيًا:كيف يُعيد الأدب تشكيل سلوك الإنسان؟لكن السؤال الأعمق ليس كيف يُغير الأدب السلوك، بل:كيف يُغير الأدب الإنسان الذي يُنتج هذا السلوك؟لأن السلوك ليس إلا نتيجة، أما الأدب، فهو يعمل في المستوى الأعمق، في مستوى البنية الداخلية.–  الأدب كتجربة إنسانية وليس كموضوع جمالي.لقد تم اختزال الأدب طويلًا في وظيفته الجمالية. لكن تجربتي كقارئ وكاتب كشفت لي أن الأدب ليس مجرد موضوعٍ جمالي، بل هو تجربةٌ إنسانية.عندما يقرأ الأديب نصًا حقيقيًا، لا يبقى خارج النص، بل يدخل فيه، ويخرج من نفسه. وهذا الخروج من الذات هو بداية التحول.لقد أشار بول ريكور إلى أن النص يعيد تشكيل فهم الإنسان لذاته. لكن ما أود إضافته هنا، من داخل التجربة، هو أن النص لا يعيد تشكيل الفهم فقط، بل يعيد تشكيل الكائن نفسه.لقد كتبت نصوصًا لم أكن بعدها الشخص نفسه. وليس لأنني عبرت عما أشعر به، بل لأن الكتابة نفسها كانت عملية تحول.إن الكتابة ليست تسجيلًا لما نحن عليه، بل هي ما يجعلنا نصبح شيئًا آخر.–  الأدب كتجربة أنثروبولوجية لإعادة بناء الذات.من منظورٍ أنثروبولوجي، يمكن فهم الأدب بوصفه فضاءً لإعادة تشكيل الإنسان. فالإنسان ليس كائنًا بيولوجيًا فقط، بل هو كائنٌ رمزي يعيش داخل المعاني، والأدب هو أحد أهم الفضاءات التي تُنتج هذه المعاني.لقد أدركت، عبر تجربتي في الكتابة، أن النص الأدبي يسمح لي بأن أعيش حيواتٍ لم أعشها، وأن أكون شخصياتٍ لم أكنها، وأن أشعر بمشاعر لم أعرفها.هذا التوسع في التجربة يؤدي إلى تحولٍ داخلي. فالإنسان لا يتغير لأنه تعلم فكرةً جديدة، بل لأنه عاش تجربةً جديدة. والأدب يُوفر هذه التجربة.–  التماهي كآلية لإعادة تشكيل السلوك.