من حوارات التهدئة إلى حوار التأسيس: معركة الدولة بين النخب والضمير الوطني

جمعة, 2026-02-20 00:12
الشيخ أحمد التلمودي

 ليست قيمة الحوار في كونه مجرد فعلٍ سياسيٍ متكرر، ولا في كونه طقسًا شكليًا يُستدعى كلما احتدت الخلافات.

قيمة الحوار الحقيقية تكمن في أهدافه، وفي الوجهة التي يُراد له أن يسلكها.

فالحوار الذي لا ينصبّ على تجسيد دولة المؤسسات، وترسيخ العدالة، وتكريس سيادة القانون، يتحول إلى مجرد تدويرٍ للإخفاقات لا معالجةٍ لها إن الديمقراطية لا تتجذر بالشعارات، بل تتجذر حين يصبح الاحتكام إلى القانون قاعدة، وحين تُفصل السلطات بوضوح، وحين يشعر المواطن أن حقوقه مصانة لا رهينة لتوازنات ظرفية أو ولاءات شخصية وهنا فقط يصبح الحوار أداة تأسيس،لا أداة تهدئة.    

المتتبع لتصريحات النخب السياسية في البلد يدرك حجم المأزق الذي تعيشه. فخطابها غالبًا ما يتأرجح بين اجترار الماضي بكل إخفاقاته، وكأنها أسيرة ذاكرةٍ لم تتعلم من دروسها، أو الانخراط في دوائر التملق السياسي للسلطة، حيث تُختزل السياسة في الولاء بدل أن تُبنى على المساءلة.

وفي الحالتين، يغيب المشروع الوطني الجامع، ويضيع النقاش حول القضايا الجوهرية التي تمس مستقبل الدولةلقد أخفقت هذه النخب، عبر عقود طويلة، في تقديم نموذجٍ يُحتذى في الممارسة السياسية.

لم تُرسِّخ ثقافة التداول السلمي، ولا ثقافة المعارضة المسؤولة، ولا ثقافة الحكم الرشيد. بل ساهمت – عن قصد أو غير قصد – في إعادة إنتاج نفس النمط المهترئ من العلاقات السياسية القائمة على الشخصنة، والمحاصصة، والاصطفاف الضيق  ولا يمكن لأي حوار جاد أن يغفل البعد الاجتماعي.

فترسيخ دولة المؤسسات لا ينفصل عن تقوية اللحمة الاجتماعية وتعزيز الوحدة الوطنية. إن الانقسامات الهوياتية، والاحتقانات الاجتماعية، والشعور بالتهميش، كلها عوامل تُضعف الدولة من الداخل وتُفرغ أي إصلاح سياسي من مضمونه. لذلك ينبغي أن ينصب الحوار على وضع آليات عملية لترسيخ المواطنة المتساوية، ومحاربة كل أشكال التمييز، وضمان عدالة توزيع الفرص والثروات، وتعزيز خطاب جامع يُعلي من المشترك الوطني فوق الاعتبارات الضيقة.

فالوحدة الوطنية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل هي مشروع يومي يُبنى بالإنصاف والاعتراف المتبادل والتكافؤ أمام القانون.  إن اللحظة الراهنة تتطلب حوارًا مختلفًا؛ حوارًا يعترف بالإخفاقات بدل إنكارها، ويواجه الاختلالات بدل الالتفاف عليها.

حوارًا يضع نصب عينيه إصلاح المنظومة القضائية لضمان استقلالها، وتعزيز آليات الرقابة والمساءلة، وإعادة الاعتبار للمؤسسات بوصفها الضامن الوحيد للاستقرار الحقيقي إن دعوة فخامة رئيس الجمهورية الي حوار شامل لا يستثني أحد وضعتنا أمام مفترق طرق حقيقي: إما أن نرتقي بالحوار إلى مستوى التأسيس لدولةٍ تحكمها المؤسسات ويعلو فيها القانون فوق الجميع، وتتقوى فيها الجبهة الداخلية بوحدةٍ صلبةٍ لا تهزها الخلافات، أو نظل ندور في حلقةٍ مفرغة من المجاملات السياسية والصراعات الظرفية.

إن الشعوب لا تنتظر من نخبها خطبًا طويلة، بل تنتظر مواقف شجاعة، وقرارات عادلة، وإرادة صلبة تقطع مع الماضي بكل أعطابه.

فلتكن هذه اللحظة لحظة صدقٍ تاريخية، ننتصر فيها لفكرة الدولة على حساب الأفراد، وللوحدة الوطنية على حساب الانقسامات، وللمستقبل على حساب الحسابات الضيقة.

وعندها فقط، يمكن أن نقول إن الحوار لم يكن حدثًا عابرًا، بل كان بداية ميلادٍ جديدٍ لوطنٍ يستحق الأفضل.