
د. ادريس هاني
يتعين جلد الذات، لكن ليس عبثا، حين يتعلق الأمر بالعقل السياسي العربي، سوف أتمثل هنا مفهوما لطالما تحسست منه في نوبات نقدية مضت، لكن سأفعل ذلك مجاراة للمصطلح: العقل السياسي العربي عند الجابري، وقبل ذلك العقل السياسي الأوربي عند رجيس دوبريه. لا أقف عند المحتوى بل سأذهب إلى تكوين محتوى آخر لا يستبعد بنيوية هذا العقل كما لا يستبعد تاريخانيته كما لا يستبعد مأزقه الانطولوجي، إنما أقرأ العقل السياسي العربي في ضوء عبثية سيزيف الذي قدر له أن يحمل صخرة أزمته الثقيلة صعودا ونزولا إلى الأبد. الفارق هنا، هنا أن سيزيف استوعب مهمته ولم يكن له بديل عنها. لكن العقل العربي يستمتع بعبثيته، وهو يسعى إلى الهروب من استحقاقات البنية والتاريخ. يحمل العقل السياسي العربي صخرة أزمته، وهو ينتشي بسرديات تلتف على الواقع المر، عقل في جيده حبل من التبرير، لا ينافسه فيه دجاجلة النوع.لكم هو مؤلم جلد الذات، وهي بلا شك عقوبة أهون من حمل صخرة سيزيف خلف ملاحم التمسرح اللانهائي. إن الكفاح مكابدة تستدعي استيعاب تعقيد الواقع بدل الإنتشاء بتبسيطه. كل مزايدة حمقاء من صناع الوهم تجعلنا نتدحرج سبعين خريفا في جحيم العبث. لقد بلغ العقل السياسي العربي مرحلة المنفعة الحدية(Marginal Utility)، ووجب تدبير أزمته بشجاعة. لنكرر بيداغوجيا أن الحاجة لاستيعاب تعقيد الواقع والقدرة على تحويل الأزمة إلى معادلة، والبحث عن مخرج خوارزمي لمعضلة الكينونة العربية، لا يتوقف عند هذا الخداع المزمن، وخلع التبسيط حتى على المفاهيم. إن العقل العربي منذ هزيمته أدمن التبسيط، لا بل تكمن عبقريه الوحيدة اليوم في تحويل الثورة الرقمية كفرصة لتعميق التبسيط وتصريف أزمته الفموية الطفالية في خطاب ايديولوجي أكثر وفاء لهذا الاضطراب في النمو السيكولوجية الجماعي من وفائه لسؤال التقدم. عقل لجاجي لا عقل برهاني، تبرير خيميائي يضفي على الغباء مسحة العلم. لا ننسى أن للهزيمة استحقاقات يتعين الالتفات إليها، أعني آثارها على الوعي. فلقد تم استغلال هذه الفجوة من قبل عدو لطالما استفاد من استقالة هذا العقل في مراحل عجزه عن التدبير الأمثل لأزمته. هم لا يتعبون من تكرار الموقف، وعلينا أن لا نتعب من تكرار الموقف الذي يفرك آذان الأنعام، ويحرر العقل السياسي العربي من القابلية للاستغباء. من يصرخ أكثر يفهم أكثر: يا له من بؤس الحامل الجمعي للوسواس السياسوية القهري!تتطور التقنية، ولكنها على حساب الذكاء الجمعي، على حساب التحرر من الجهل الزمن، بالتقنية تساهم في تعزيز الجهل أكثر، وفي إسناد العبودية أكثر. لقد سقطت التقنية في يد الغوغاء، وتحولت إلى لعنة تتهدد مصير العقل البشري. لقد مكنت من تحقيق حلم الدجاجلة، السيطرة على وعي الجمهور بأقل تكلفة، تضخم عدد حراس الوعي الزائف، جريمة الاستهتار بمصائر العقل وبصائر الحكمة الخالدة.فريضة الوعي تبدأ من هنا، نقاء السريرة يبدأ من هنا، لا أفق دون الوعي بآفة العقل السياسي العربي كما يمثله النظام العربي الرسمي، ورواد العنتريات الرقمية، والمتاجرون في سوق التفاهة؛ فالمطلوب ليس هو التأثير بل محتواه.
يتعين على المحلل السياسي أن يستوعب قدرا من التفكيك واللسانيات، فمن دونها سيكون العقل السياسي عاريا تحت مسيرات عقل العدو، الذي يتصيد هزائمنا النفسية وهشاشتنا العقلية، قبل قصورنا اللوجستيكي. فالتفاهة تبدأ من المحتوى وبلاهة صانعه.كاتب مغربي


