سعاد خليل: ابن رشد.. وفن الشعر

أحد, 2026-03-29 22:36

سعاد خليل

في رحاب الفلسفة والأدب، يظل ابن رشد، مفكّر قرطبة العظيم، جسراً بين الفكر اليوناني والإرث الثقافي العربي الإسلامي، مثالاً على سعي العقل البشري لفهم النصوص وتجاوز الحواجز الزمنية والثقافية. إن دراسة فن الشعر عند ابن رشد تكشف لنا عن كيفية تعامل العقل مع الإرث المعرفي القديم، واستثماره في بناء فهم جديد، وكيف أن التفاعل بين المعرفة السابقة والموضوع الجديد يولّد توتراً خصباً، يقود إلى إدراك متطور ومستقل. في هذا المقال، نسلط الضوء على مأزق الإدراك الثقافي عند ابن رشد، وعلاقته بالشعر والتراجيديا والكوميديا، مستعينين بتفسيراته، وملاحظات الباحثين من طه عبد الرحمن إلى بورخيس.أظهرت بعض الدارسات ان فعل الاستيعاب او الادراك عموما هو ملتقي عدة عناصر من الإرث الثقافي، جمالية وعقدية وعلمية ، وهذا الانتقاء هو الذي  يجعل من الادراك نشاطا ديناميا ينجز تقطيعا للعالم ، طبيعة كان او نصا ، وذلك وفق مكونات الخبرات السابقة . ولا يستطيع دماغ بدون مخزون ان ينجز بناء ذا خصوبة معرفية ما ، لان الخصوبة تقتضي تداعيا للأفكار لكي يتمكن العقل من انشاء انساق منوعة عن ظواهر العالم التي تقع تحت لادرك ، فالعين علي سبيل المثال ، وهي حاسة تنقل الرسالة الي الدماغ واقعة تحت أوامر هذا الأخير ، وتخضع لنظامه ، والدماغ يستثمر خزانه من الخبرة فينسج شبكات من الترابطات بين المواضيع التي تقع عليها الرؤية والتي تحضر في الذهن ، وهكذا فالدماغ البشري يشتغل في صيغة نقل العلاقات والصور من مجال لي اخر ، لكن يتعرف علي المستجدات نلانه لابد ان يسقط اثارا سابقة علي اللاحقة .عن هذا الموضوع وجدت دراسة بعنوان ابن رشد وفن الشعر : العمي والرؤية : التراجيديا والكوميديا بنطرات ابن رشد اعجبني فأحببت مشاركة القراء فيه .تظهر أهمية مسالة درجة قوة او ضعف المعارف السابقة ودورها في تكوين المعارف الجديدة التي تسير علي هديها، وكيفما كان الامر فان المرجع والنماذج السابقة تفرض حضورها في كل ملاحظة جديدة لأنها تطبعها بخصوصيتها لذلك يمكن القول ان عملية الفهم تشتمل علي عنصرين اساسين.1 استثمار الموروث الفكري الذي يفرض نفسه علي الجهاز العقلي النشيط ويرسم له خطط اشتغاله، ويوجهه نحو مناطق معينة من ارجاء الظواهر، ويعد افقه بحسب درجة نضجه وقدرته علي التعبير فلا وجود لنشاط فكري بدون ارث يفرض اراء مسبقة ويحشر مسلمات صريحة ومضمرة، ويرسم حدود بين الممكن والمستحيل كما تفتضيه قدرته علي السير .

2 للموضوع الجديد الذي ينصب عليه النشاط المفهومي من اجل بيان تكوينه البنيوي ، خصائص ومكونات يتشابه بعضها مع تلك المواضيع التي تقدمت معرفتها ،ويختلف بعضها الاخر عنها ولا يدرك من خصائص ومكونات ما يسمح به النسق النظري الذي ينطلق منه الباحث ، ولا تنكشف عري الخصائص الجديدة لا عبر مقاومة طويلة وعنيدة ، من قبل النسق السائد ومن قبل الموضوع الجديد ، في نفس الوقت وعلي حد سواء .