
د. ادريس هانيل
كم كانت المهمة صعبة لإقناع العرب منذ البداية، بأن عزل إيران إقليميا ودوليا هو أمر مستحيل، بل هو غباء جيوستراتيجي.
كما كانت المهمة أصعب لإقناعهم بأن إيران كان من المفترض لو شاؤوا، أن تكون عمقا استراتيجيا للعرب منذ 1979، أمر شهد به وأكده ياسر عرفات في أول زيارة للوفد الفلسطيني لطهران عشية قيام الثورة، كما أكده محمد حسنين هيكل، وكما سنجده في أولى المسطورات العربية عن الأحداث عند فهمي هويدي في(إيران من الداخل).ولكم عانى ميشيل فوكو يومئذ بعد إنجاز مهمته الصحفية في تغطية يوميات الثورة، حين بدأت الكراهية تتخذ في الغرب نمطا آخر. كان يومها ميشيل فوكو قد أطلق على هذا الحراك مفهوم الروحانية السياسية، فقامت قيامة اللوبيات السياسية والثقافية ضد مفكك نظام الخطاب.وبينما وجدوا في البلاد العربية أن الطائفية والتاريخ هما خير وسيلة سهلة لعزل طهران، كانوا في الغرب قد وجدوا وسيلتهم في الدفاع عن الديمقراطية والمسألة النسائية. وحيث كل شيء بات مقبولا مهما بدا غريبا، مادام يتعلق بإيران. فلقد حاربوها، ويا للمفارقة، بشعارات الاعتدال والتطرف معا، وكانت تلك هي أم المفارقات السياسية.
كان العرب هم من فجر الطائفية وغرقوا فيها، هم من أطلقوا موجات التكفير لأسباب سياسية. لا ندري ماذا كانوا ينتظرون من إيران؟ فلقد كانت تؤكد بنيتها الثقافية والدينية تعزيزا لهويتها الوطنية، ولم تلزم أحدا ببنيتها الديني. وقد تبين أن أقلياتها الدينية والمذهبية ممثلة خير تمثيل في البرلمان، بل وفي مكتب الرئاسة أيضا، وهذا موضوع فيه تفاصيل كثيرة لا يمكن أن يستوعبها هواة إعادة إنتاج خطاب التشنيع والعزل. نتساءل: من هم أول من روج لكتاب: (وجاء دور المجوس)، غير المتطرفين والتكفيريين الذي تحالفوا مع الإمبريالية والرجعية لتلويث المنطقة بخطاب طائفي مسعور؟! ومن يا ترى مضغ مضغا بليدا عبارة(الصفويون) حتى باتت علكة بلا طعم؟!ثم لما تطوروا أكثر أصبحوا يتحدثون وفق مغالطة التسوية، أي أن هناك مشروعين في المنطقة، وكأن صانع المغالطة يوحي بأنه يسكن في منطقة ثالثة: منطقة الحياد. وغاية هذه المغالطة هو تكريس وهم التسوية بين مشروع الاحتلال ومشروع إيران، لكنهم في مرتبة التنفيذ أظهروا أنهم اصطفوا مع المشروع الأول، حيث تطوروا أكثر ليحبكوا مخرجا مناسبا للمغالطة إياها: إيران هي أخطر من إسرائيل!؟؟



