الرياضة الموريتانية إلى أين؟

سبت, 2026-06-13 08:58

عادت وزارة تمكين الشباب والتشغيل والرياضة والخدمة المدنية لتثير الكثير من الجدل داخل الوسط الرياضي الوطني، من خلال مطالبة الاتحاديات الرياضية بالتسجيل عبر منصة إلكترونية جديدة، معتبرة أن إجراءات الاعتماد وتفويض السلطة ستتم حصرياً عبر هذه المنصة.

من حيث المبدأ، لا يمكن لأحد أن يعارض الرقمنة أو تحديث الإدارة الرياضية، بل إن ذلك يمثل مطلباً أساسياً لتطوير العمل المؤسساتي. غير أن المشكلة الحقيقية تكمن في الطريقة التي يتم بها التعامل مع الحقل الرياضي الموريتاني، والتي تعكس مرة أخرى ضعفاً واضحاً في فهم خصوصيات الرياضة الوطنية وطبيعة الأنظمة التي تحكمها محلياً ودولياً.

فبعد التعميم السابق الذي أثار مخاوف واسعة داخل الأسرة الرياضية، وكاد أن يضع موريتانيا في مواجهة مع الهيئات الرياضية الدولية بسبب تعارض بعض مضامينه مع المبادئ الأساسية للاستقلالية التي ينص عليها الميثاق الأولمبي الدولي وأنظمة الاتحادات الدولية، نجد أنفسنا اليوم أمام إشكال جديد لا يقل خطورة.

فعند الدخول إلى المنصة الإلكترونية الجديدة، يلاحظ المتابع أن الخيارات المتاحة تقتصر على أربع رياضات فقط، وهو أمر يطرح تساؤلات جدية حول مصير أكثر من أربعين اتحاداً رياضياً موجوداً في موريتانيا، من بينها اتحادات أولمبية معترف بها دولياً وتمارس نشاطها منذ سنوات طويلة.

الأكثر غرابة أن المنصة توحي بإمكانية إنشاء اتحادية جديدة في بعض الألعاب التي لا يمكن قانونياً أو عملياً أن توجد فيها سوى اتحادية وطنية واحدة معترف بها دولياً، مثل كرة القدم، وهو ما يكشف غياب الإلمام بالهيكلة الأساسية للحركة الرياضية الدولية.

أما الأمر الأكثر إثارة للاستغراب فهو أن بعض الاتحاديات الوطنية التي تأسست منذ عقود، وحصلت على تراخيصها القانونية منذ السنوات الأولى بعد الاستقلال، تبدو وكأنها غير موجودة في قاعدة البيانات المعتمدة من طرف الوزارة. وكأن تاريخ الرياضة الموريتانية يبدأ من تاريخ تعيين القائمين الحاليين على القطاع، متجاهلاً عشرات السنين من العمل والتراكم والتضحيات التي قدمها الرواد والمسيرون السابقون.

إن هذه المعطيات مجتمعة تعكس أزمة أعمق من مجرد أخطاء تقنية أو إدارية، فهي تكشف غياب رؤية واضحة للتعامل مع القطاع الرياضي باعتباره مجالاً له خصوصياته وقوانينه الدولية وآلياته الخاصة. فالرياضة ليست مجرد قطاع إداري يمكن إخضاعه لنفس القواعد المطبقة على مجالات أخرى، بل هي منظومة عالمية تحكمها لوائح واتفاقيات دقيقة تتطلب فهماً عميقاً وخبرة متخصصة.

ولعل من المفارقات اللافتة أن موريتانيا، منذ الاستقلال وحتى اليوم، لم تعرف تعيين شخصية رياضية بارزة على رأس وزارة الرياضة، في حين أن العديد من دول العالم تلجأ غالباً إلى اختيار رياضيين سابقين أو شخصيات ذات معرفة واسعة بالشأن الرياضي لتولي هذا القطاع الحيوي، إدراكاً منها أن فهم الرياضة شرط أساسي لتطويرها.

إن الرياضة الموريتانية تواجه اليوم تحديات كبيرة تتعلق بالبنية التحتية، والتكوين، والتمويل، والحكامة، والعلاقات مع الهيئات الدولية. وهذه هي الملفات التي ينبغي أن تشغل الوزارة والفاعلين في القطاع، بدل الانشغال بإجراءات إدارية تثير مزيداً من الإرباك والجدل.

إن إنقاذ الرياضة الموريتانية يتطلب قبل كل شيء إرادة حقيقية للإصلاح، وحواراً جاداً مع الأسرة الرياضية، وفهماً عميقاً لطبيعة هذا المجال، لأن مستقبل الرياضة الوطنية لا يمكن أن يبنى على الاجتهادات الإدارية وحدها، بل على المعرفة والخبرة والشراكة مع أهل الاختصاص.

وإذا استمرت الأمور بهذا النهج، فإن الخشية الحقيقية هي أن تدخل الرياضة الموريتانية نفقاً أكثر ظلمة، في وقت تحتاج فيه إلى رؤية واضحة تقودها نحو التطور

الدكتور محمد ولد الحسن

إعلامي رياضي وعضو اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي للصحافة الرياضية (AIPS).