
تقوم دولة القانون على مبدأ بسيط لكنه جوهري: القرارات القضائية والإدارية تبقى نافذة وواجبة الاحترام إلى أن تُعدَّل أو تُلغى بالطرق القانونية، ولا يجوز تعطيل تنفيذها بالاعتصام أو بالامتناع عن التنفيذ أو بفرض الأمر الواقع.
وفي هذا الإطار، يثير كل من اعتصام النائبتين مريم الشيخ وقامو عاشور داخل البرلمان، واعتصام رئيس المحكمة العليا السابق السيد ولد الغيلاني بعد تعيينه سفيراً ورفضه مغادرة منصبه، سؤالاً واحداً: هل يجوز الاعتصام لتعطيل تنفيذ قرار صادر عن سلطة مختصة؟
رغم اختلاف الأشخاص والوظائف، فإن جوهر الحالتين واحد؛ ففي كلتا الواقعتين تم اللجوء إلى الاعتصام كوسيلة للاعتراض على قرار قانوني صادر عن جهة مختصة. ففي الحالة الأولى، تعلق الأمر بمسار قضائي ترتبت عليه آثار تخص الوضعية البرلمانية، وفي الحالة الثانية تعلق الأمر بمرسوم إداري صادر عن رئيس الجمهورية يقضي بتعيين رئيس المحكمة العليا سفيراً، وهو قرار يترتب عليه إنهاء مهامه السابقة.
إن دولة المؤسسات لا تقوم على اقتناع الأفراد بالقرارات، وإنما على إلزاميتها. فلو أصبح تنفيذ الأحكام القضائية أو المراسيم الإدارية رهيناً بقبول أصحاب الشأن بها، لتحولت الدولة إلى ساحة مفتوحة لفرض الأمر الواقع، وفقد القانون هيبته، وأصبح كل مسؤول أو منتخب أو موظف يقرر بنفسه متى ينفذ القرار ومتى يمتنع عن تنفيذه.
ولا يعني ذلك حرمان أي شخص من حقه في الطعن أو الاعتراض، بل على العكس، فالقانون يكفل وسائل التظلم والطعن القضائي والإداري. غير أن هذه الوسائل يجب أن تمارس داخل المؤسسات المختصة، لا من خلال تعطيل تنفيذ القرارات أو احتلال المرافق العامة أو التمسك بالمنصب رغم صدور قرار نافذ بشأنه.
فالسلطة القضائية لا يمكن أن تؤدي رسالتها إذا أصبحت أحكامها اختيارية، كما أن السلطة التنفيذية لا تستطيع إدارة المرافق العامة إذا أصبحت قراراتها الإدارية قابلة للتعطيل بالإرادة المنفردة للمعنيين بها.
إن احترام القرارات القضائية والإدارية لا يعد انتصاراً لطرف على آخر، وإنما هو انتصار للدستور ولمبدأ المشروعية وللدولة نفسها. وقد يثبت لاحقاً أن قراراً ما كان خاطئاً أو يحتاج إلى مراجعة، لكن تصحيحه لا يكون إلا عبر القضاء أو السلطة المختصة، وليس عبر الامتناع عن التنفيذ أو فرض الأمر الواقع.
ومن هنا، فإن التشابه الحقيقي بين الحالتين لا يكمن في هوية الأشخاص أو طبيعة المناصب، وإنما في أن كليهما يطرح إشكالية حدود الاعتراض المشروع. والجواب في دولة القانون واضح: يجوز الاعتراض، ويجوز الطعن، لكن لا يجوز تعطيل تنفيذ القرارات القضائية أو الإدارية النافذة، لأن احترامها هو الضمانة الأساسية لاستمرار الدولة وحماية الحقوق والحريات.
فالدول تُبنى بسيادة القانون، لا بسيادة الأشخاص، وتستقر المؤسسات عندما يكون الجميع، أفراداً وسلطات، خاضعين للقانون، لا فوقه.
الاغظف ولد خيّ







