المدير العام للسور الأخضر الكبير: المؤتمر الصحفي لرئيس الجمهورية جسّد فلسفة في القيادة وبناء الدولة

سبت, 2026-07-25 17:33

نشر المدير العام للوكالة الوطنية للسور الأخضر الكبير، السيد سيدن ولد أحمد اعلي، تدوينة على صفحته في أفيس بوك ؛ تناول فيها قراءته للمؤتمر الصحفي الأخير لفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، معتبرا أنه لم يكن مجرد عرض لحصيلة الإنجازات، بل محطة عكست رؤية متكاملة في إدارة الدولة تقوم على ترسيخ المؤسسية، وتعزيز الشفافية، وربط المسؤولية بالأداء والمساءلة.

 

وأكد ولد أحمد اعلي، في تدوينته، أن المؤتمر أبرز أسلوبا في القيادة يرتكز على الإحاطة الدقيقة بالملفات، ودعم العمل الحكومي، وترسيخ ثقافة الإصلاح المستمر، مستندا في قراءته إلى تجربته السابقة عضوا في الحكومة وما عايشه عن قرب من منهج رئيس الجمهورية في إدارة الشأن العام

 

نص التدوينة :

 

في فلسفة القيادة وبناء الدولة… قراءة في المؤتمر الصحفي لفخامة رئيس الجمهورية

 

ليست المؤتمرات الصحفية مجرد مناسبة للإجابة عن أسئلة الإعلام، بل هي محطة يُختبر فيها منطق القيادة، ويُقاس من خلالها مستوى نضج العلاقة بين السلطة والرأي العام، وبين القرار العمومي ومتطلبات الشفافية.

 

من هذا المنظور، استحق المؤتمر الصحفي الذي عقده فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، مساء أمس، أن يُقرأ بوصفه نقاشًا حول منهج إدارة الدولة أكثر من كونه وقفة لتقديم حصيلة أو استعراضًا لما تحقق خلال الفترة المنصرمة من المأمورية.

 

فالرسالة الأبرز التي أمكن استخلاصها لم تكن الدفاع عن المنجز، بقدر ما كانت تقديم رؤية للحكم تجعل المؤسسية محور الفعل العمومي، وتوزع المسؤولية بين مختلف أجهزة الدولة، وتربط الأداء بالتقييم المستمر، وتعتبر التصحيح جزءًا طبيعيًا من مسار الإصلاح.

 

كما عكس المؤتمر حضورًا واضحًا لرئيس يتابع تفاصيل الملفات، لا باعتباره متلقيًا للتقارير، وإنما باعتباره صانعًا للقرار وموجهًا لمساراته. ففي مختلف القضايا، من الاقتصاد والطاقة والزراعة إلى الأمن والإدارة والعلاقات الخارجية، برزت معرفة دقيقة بتفاصيل الملفات وتحدياتها، بما يعكس قناعة بأن جودة القرار تبدأ من الإحاطة الدقيقة بالمعطيات.

 

وفي المقابل، حمل حديثه عن الحكومة دلالة سياسية لافتة؛ فقد جدد ثقته في الحكومة بقيادة معالي الوزير الأول، السيد المختار ولد أجاي، وثمن ما تحقق من عمل في ظرف دولي وإقليمي بالغ التعقيد، مع التأكيد في الوقت نفسه أن ما أُنجز لا يمثل نهاية الطريق، وأن المرحلة المقبلة تستوجب مزيدًا من الفاعلية وتسريع وتيرة التنفيذ. وهذه رسالة تعكس فلسفة في القيادة تقوم على الثقة في الرجال، ودعم الفريق التنفيذي، مع بقاء معيار الحكم هو الأداء والنتائج، لا الاكتفاء بما تحقق.

 

ومن زاوية أخرى، كشف أسلوب إدارة المؤتمر عن قناعة بأن الانفتاح على الأسئلة، مهما كانت طبيعتها، لا ينتقص من هيبة الدولة، بل يعززها. فالحوار الهادئ، والإنصات، والرد بالحجة وبأدق التفاصيل، كلها عناصر تسهم في بناء الثقة بين مؤسسات الدولة والرأي العام، وتؤكد أن التواصل السياسي أصبح أحد مكونات الحكامة الحديثة.

 

ولعل الرسالة الأعمق التي حملها المؤتمر هي أن بناء الدولة ليس مشروعًا ظرفيًا، ولا يرتبط بالأفراد مهما كانت أدوارهم، وإنما هو عملية تراكمية تقوم على ترسيخ المؤسسات، واحترام القانون، واستمرار الإصلاح، وتكامل الأدوار بين مختلف السلطات، بما يضمن استقرار الدولة وقدرتها على مواجهة التحولات.

 

لقد كان المؤتمر، في جوهره، دعوة إلى التفكير في الدولة باعتبارها مشروعًا مستمرًا، لا يرتبط بالأشخاص بقدر ما يرتبط بثقافة حكم تؤمن بأن القيادة ترسم الاتجاه، والمؤسسات تضطلع بأدوارها، والحكومة تنفذ، والمواطن شريك في الرقابة والبناء.

 

وفي تقديري، فإن القيمة الحقيقية لهذا المؤتمر لا تكمن فقط في الأجوبة التي قُدمت، وإنما في المنهج الذي عكسه؛ منهج يربط القيادة بالمسؤولية، والسلطة بالمحاسبة، والثقة بالمتابعة، ويؤكد أن الدولة الحديثة تُبنى بالتراكم، لا بردود الأفعال.

 

وعلى المستوى الشخصي، فإن هذه القراءة لا تستند فقط إلى ما تابعته في هذا المؤتمر، وإنما تستند كذلك إلى تجربة عشت جزءًا منها عندما تشرفت بخدمة بلدي عضوًا في الحكومة. وخلال تلك الفترة، أتيحت لي فرصة التعرف عن قرب على أسلوب فخامة رئيس الجمهورية في إدارة الشأن العام، فوجدت فيه رصانة في التقدير، وهدوءًا في اتخاذ القرار، وعمقًا في دراسة الملفات، وصدقًا في تحمل المسؤولية.

 

ومن أكثر ما بقي راسخًا في ذهني أنني لم ألمس، في أي مرحلة، قبولًا بأي شكل من أشكال استغلال النفوذ أو التأثير غير المشروع في القرار العمومي، ولا أي تساهل مع الممارسات التي قد تفتح بابًا للفساد أو للمحاباة. وقد عايشت شخصيا مواقف عديدة مع فخامته تؤكد هذا النهج، وسأروي بعضها، عندما يحين الوقت المناسب، لأنها تمثل جزءًا من ذاكرة العمل العام، وتستحق أن تُحكى في سياقها التاريخي الصحيح.

 

حفظ الله موريتانيا، ووفق فخامة رئيس الجمهورية لما فيه خير البلاد والعباد، وأعان الحكومة، بقيادة معالي الوزير الأول السيد المختار ولد أجاي، على مواصلة مسيرة الإصلاح والبناء، وجعل مستقبل وطننا أكثر استقرارا وازدهارا.