تعد المرأة الودانيةإحدى أبرز الحافظات للموروث الثقافي في مدينة وادان إذ ارتبط حضورها التاريخي بالإنتاج الحرفي والمحافظة على الصناعات التقليدية التي شكلت جزءا أساسيا من الحياة اليومية للمجتمع المحلي، وقد راكمت عبر الأجيال خبرات واسعة في مجالات النسيج وصناعة الجلود واعداد مستلزمات المنزل، فضلا عن إتقانها لفنون الزينة والعطور التقليدية.ولعل خصوصية البيئة الوادانية تفسر جانبا من هذا التميز، فمدينة وادان إحدى أعرق المدن الشنقيطية التاريخية، كانت منذ قرون محطة رئيسية على طرق القوافل التجارية ولاسيما قوافل الملح،كما أن طبيعتها الصحراوية الصخرية أسهمت في تكوين شخصية المرأة الوادانية التي عرفت بالاعتماد على الذات والإبداع في استغلال الموارد المحلية وتحويلها إلى منتجات تلبي حاجات الأسرة والمجتمع
الصناعة اليدوية المنزلية

اعتمدت المرأة الوادانية على المواد الأولية المتوافرة في البيئة المحلية، وفي مقدمتها سعيف النخيل وجريده والجلود لصناعة مختلف الأدوات المنزلية فمن عسيب النخيل تصنع الحصير و(التبريت) و((ݣندي))، بينما تستغل الجلود في صناعة(( القرب والشكوات والضبيات والمزود ))وغيرها من الأدوات الضرورية لحفظ الماء والزاد،كما تصنع مقعدا مربع الشكل من جريد النخيل وعروق الأشجار يعرف باسم ((اقلقه)) لحضانة الصغار ويستخدم لمساعدة الأطفال على تعلم الجلوس، وتصنع كذلك بطانية جلدية تسمى ((الفارو )) إضافة إلى أوعية مخصصة لحفظ الدهن مثل (( أقرط)) ((والعكة)) وهي أدوات تعكس براعة المرأة الوادانية في توظيف الموارد الطبيعية لخدمة متطلبات الحياة اليومية
الزينة التقليدية وتسريحات الشعر
حافظت المرأة الوادانية على منظومة متكاملة من مظاهر الزينة التقليدية وفي مقدمتها تصفيف الشعر، إذ عرفت أنواع متعددة من الضفائر تختلف باختلاف المرحلة العمرية والحالة الاجتماعية ومن أشهر ضفائر النساء ((لمبيطيح واثلاثه وكافه ولمشنفه وظفر الكلب )).أما الفتيات الصغيرات فتميزن بظفائر خاصة تحمل أسماء متوارثة مثل ((سانه مانه اݣرعني نݣرعݣ وݣجة لحمار)) وهي تسميات لاتزال تمثل جزءا من الذاكرة الشعبية في المدينة
اللباس والحلي التقليدي:

تميز اللباس التقليدي للمرأة الوادانية بخصوصيته إذ كانت ترتدي ملحفتين الأولى مسبوغة بالنيلة والثانية بيضاء تعرف بإسم اطباݣ، أما الفتيات الصغيرات فكن يرتدين ثوبين فضفاضين أحدهما من النيلة والآخر أبيض اللون.وفي جانب الحلي اشتهرت المرأة الوادانية بإرتداء مجوهرات تقليدية مصنوعة من (الخرز) التي تنوعت أشكالها وألوانها وأسمائها ومن أشهرها ((الحب الحر )) والميال ))، كما أحتل ((الذهب)) مكانة الصدارة بين الحلي تليه الفضة)) المعروفة محليا بالنقرة )).
صناعة الطيب:

احتلت صناعة الطيب مكانة خاصة في الثقافة الوادانية وكانت من اختصاص النساء الكبيرات في السن اللاتي امتلكن خبرة واسعة في اعداد أنواعه المختلفة بحسب المناسبة ومن أشهر تلك الأنواع ((البخور)) (((والبوخ )) لتعطير الجسد إضافة إلى (( الروايح))الخاصة بتطيب الشعر، كما كانت تعد خلطات عطرية مخصصة للأعراس تتكون من مزيج من أنواع ((الطيب )) يضاف إليها الدسم حتى تتجانس مكوناتها ثم تدهن بها النساء أيديهن خلال المناسبات السعيدة.
العرس التقليدي في وادان

تميز العرس الواداني بمجموعة من الطقوس الاجتماعية التي تعكس روح التكافل والتعاون داخل المجتمع، فكانت الخطبة تتوالاها الأم أو الخالة حيث تتقدمان بطلب يد الفتاة وبعد الموافقة تعلن المناسبة بواسطة الفتيات الصغيرات اللواتي يزرن منازل الحي لإبلاغ الجميع بالخبر وعند إبرام عقد الزواج تسمى الليلة الأولى ليلة ((حل الراص)) وفيها تتقاسم النساء مسؤوليات اعداد الحفل فمنهن من تتولى استقبال الضيوف ومنهن من تشرف على اعداد الولائم وأخريات يقمن بطحن مكونات الطيب و البخور بينما تتولى مجموعة أخرى تزين العروس التي كانت تمتنع في البداية عن الخضاب بالحناء حياء قبل ان تقنعها النساء، وعند انتقال العروس من منزل أهلها تقودها نساء كبيرات في سن حتى باب الدار حيث تجلس قليلا ثم يحملها إخوتها أو أقاربها إلى مكان الاحتفال، إذ جرت العادة أن لا تسير العروس على قدميها بل تُحْمَلُ على الأكتاف حتى تصل إلى (المروح) وهو مكان إقامة الحفلأما العريس فإن كان في زواجه الأول ويعرف ((محليا بلاوي لعمامة)) فإنه لا يتولى حمل عروسه حياء، بل ينتظرها في خيمة الحفل بينما إذا كان قد سبق له الزواج فإنه يشارك بنفسه في حملها مع إخوتها، وخلال الموكب تؤدي فرقة الغناء التقليدية المعروفة بإسم ((الحماية)) أهازيجها المصحوبة بقرع الطبول، فيما تطلق النساء الزغاريد ويضعن على أيديهن خليطا من الطيب والدسم ثم يصفقن فنتشر الروائح الزكية في أرجاء المكان فيتكرر حمل العروس على مراحل قصيرة تتخللها فترات غناء ورقص حتى تصل إلى مقر الاحتفال.وتستمر مراسيم العرس ثلاثة أيام تلتزم خلالها العروس بالاحتشام وتغطية الوجه وقلة الكلام بينما تتواصل السهرات والأمسيات الاحتفالية طوال هذه الفترة.
موسم الكيطنة يمثل موسم ((الكيطنة)) أحد أبرز المواسم الاجتماعية والسياحية في وادان ويعكس بصورة واضحة أصالة تقاليد الضيافة لدى أهل المدينة، وتؤدي المرأة الوادانية دورا محوريا خلال هذا الموسم إذ تستقبل الوافدين وتعد مختلف مستلزمات الضيافة وتسهم في توفير أجواء تعكس كرم المجتمع الواداني وحفاوته بزائريه وهو ماجعل الموسم وجهة يقصدها كثير من أبناء الوطن.
الوجبات التقليدية

تزخر المائدة الوادانية بأطباق تقليدية متنوعة ولاسيما خلال موسم الكيطنةفمن أشهر وجبات الصباح خليط يتكون من الفول السوداني والتمر والدسم ويقدم مع ((النشاء))، أما وجبة المساء فتتكون من اللحم المجفف((التيشطار)) والتمر ((والتكلاع)) والدسم إضافة إلى ((النشاء)) المصنوع من دقيق الحبوب مثل الشعير والقمح ((ومتري))، كما تعد النساء ((المفصص)) وهو تمر منزوع النوى إضافة إلى وجبة(( الكتلة)) التي تتكون من التمر المطحون ودقيق الشعير المحمص وهي أطعمة ارتبطت بالبيئة الصحراوية وقيمتها الغذائية العالية
خاتمةتمثل المرأة الآدرارية عموما والمرأة الوادانية على وجه الخصوص نموذجا للمرأة المنتجة التي جمعت بين المحافظة على الموروث الثقافي والإسهام في النشاط الاقتصادي والاجتماعي ويتجلى دورها بوضوح خلال المواسم السياحية والمهرجانات الثقافية، حيث تسهم في إبراز خصوصية مدينة وادان وتراثها العريق من خلال ماتعرضه من منتجات ومهارات تقليدية.ورغم استمرار هذا الإرث الثقافي فإنه يواجه اليوم تحديات متزايدة من أبرزها صعوبة الحصول على بعض المواد الأولية وتراجع أعداد الحرفين المهرة الذين توارثوا هذه الصناعات، إضافة إلى ضعف إقبال الأجيال الشابة على تعلم الحرف التقليدية، وهو ما يجعل المحافظة على هذا الموروث مسؤولية ثقافية وتنموية تستدعي مزيدا من التوثيق والدعم والتأهيل.
تبيبة أحمد
كاتبة صحفية







